أسامة داود يكتب: بين الافتخار ووجع البدايات.. من أعاد الروح إلى منجم السكري؟

أسامة داود يكتب: بين الافتخار ووجع البدايات.. من أعاد الروح إلى منجم السكري؟

حين أصبح السكري محطة للفخر الوزاري.. من منح المنجم قبلة الحياة وسط العواصف؟

سامح فهمي.. الرجل الذي انتشل السكري من حافة الاشتباك إلى بوابة الاستثمار

إذا كان جبل السكري قد تحول لاحقًا إلى أحد أكبر مناجم الذهب في العالم، فإن السؤال الذي يستحق التوقف أمامه ليس: كم أوقية ذهب خرجت من باطن الجبل؟ بل كيف خرج المشروع نفسه من عنق الزجاج؟

في بدايات الألفية الثالثة، لم يكن المشهد بهذه السلاسة التي نراها اليوم. كانت الخلافات قد وصلت إلى مراحل معقدة بين الشركة صاحبة الامتياز والجهات الحكومية، وسط تداخلات قانونية وفنية وتساؤلات حول حدود الامتياز ومساحات البحث والاستغلال، في وقت كان يلوح فيه شبح نزاعات دولية قد تدفع المشروع كله إلى مسار مجهول.

تزامنت تلك المرحلة مع تولي المهندس سامح فهمي مسؤولية وزارة البترول، بعد انتقال ملف الثروة المعدنية إلى الوزارة، وهنا بدأت مرحلة مختلفة في التعامل مع الملف.

لم يكن المطلوب وقتها مجرد إنهاء أزمة عابرة، بل كان المطلوب نزع فتيل أزمة قادرة على إغلاق باب الاستثمار التعديني في مصر لسنوات طويلة.

نجح فهمي في نقل الملف من لغة الصدام إلى منطق التفاوض، ومن معادلة غالب ومغلوب إلى صيغة توازن تحفظ للدولة حقوقها وتمنح المستثمر مساحة للعمل، لتنتهي المفاوضات إلى إطار أعاد ترتيب مساحة الامتياز وسمح باستمرار المشروع.

وربما لم تكن القيمة الحقيقية لما حدث في السكري هي تشغيل منجم ذهب فقط، بل إرسال رسالة أكبر إلى العالم: مصر ليست دولة تمتلك ثروات مدفونة فحسب، وإنما يمكنها أيضًا إدارة استثمارات التعدين بمنطق اقتصادي قادر على جذب الشركات الكبرى.

فالسكري لم يكن مجرد منجم، بل أصبح شهادة عملية على إمكانية نجاح الاستثمار التعديني في مصر، وهو ما فتح الطريق تدريجيًا أمام اهتمام شركات التعدين العالمية بالسوق المصرية، وأصبح نموذجًا تأسست عليه مراحل لاحقة من تطوير بيئة التعدين والاستثمار في البلاد.

الذهب لم يكن المكسب الوحيد

وهكذا ربما يمكن القول إن الذهب الذي خرج من جبل السكري لم يكن وحده هو المكسب الحقيقي، فهناك مكسب آخر أقل بريقًا وأكثر تأثيرًا: استعادة ثقة المستثمر في قطاع ظل لسنوات طويلة حبيس التعقيدات والخلافات.

بلغة أخرى: قبل أن يُنتج السكري الذهب، كان عليه أولًا أن يُنتج الثقة.

وربما هنا تفرض الأصالة سؤالًا آخر لا يقل أهمية عن الذهب نفسه.. هل نتذكر من وضعوا البذور الأولى للمشروعات بعد أن تتحول إلى قصص نجاح؟

فمن باب الوفاء قبل التكريم، كان من الطبيعي أن تحمل زيارات منجم السكري المتتابعة استدعاءً لذاكرة البداية، وأن يُدعى إلى مثل هذه المناسبات كل من ساهم في منح المشروع فرصة الحياة في لحظة كان فيها مهددًا بأن يبقى حبيس النزاعات والخلافات.

فالمشروعات الكبرى لا تولد فجأة، ولا تخرج من باطن الأرض بقرار عابر، وإنما تصنعها عقول ورؤى وقرارات وأشخاص امتلكوا القدرة على تحويل الأزمات إلى فرص.

وإذا كانت صناعة البترول قد عرفت عبر تاريخها إطلاق أسماء بعض الرواد على حقول ومشروعات ارتبطت بجهودهم واكتشافاتهم، فلماذا لا يصبح هذا التقليد جزءًا من ثقافة التقدير المؤسسي؟

ربما كان من المستحق أن تحمل بعض المشروعات العملاقة أسماء من كان لهم دور محوري في خروجها إلى النور، سواء في منجم السكري، أو وحدات الأسالة فى ادكو ودمياط، أو خط غاز الصعيد، وغيرها من المشروعات التي لم تكن مجرد خرائط على الورق، بل تحولت إلى واقع قائم بفعل قرارات صنعت الفارق.

لأن الرسالة هنا لا تتعلق بشخص بعينه، بقدر ما تتعلق بدرس للأجيال الحالية والقادمة.

 الأمم التي تحفظ ذاكرة من بنوا.. تصنع أجيالًا تعرف أن الإنجاز لا يبدأ لحظة افتتاح المشروع، او وقت تفقده، بل يبدأ من لحظة الدفاع عنه وهو لا يزال فكرة تواجه العواصف.